د. حمدي شعيب
قصة طريفة سمعتها منذ سنوات بعيدة قصها د. عيسى عبده الخبير الاقتصادي رحمه الله؛ والتي تحكي عن مخرج ومؤلف ومجموعة من الممثلين وقد تعرضوا لأزمة إفلاس كارثية؛ ففكروا في طريقة تنقذهم من الجوع؛ فرأوا أن يكتب المؤلف أي قصة تخطر له، فيخرجها المخرج ويصنعون بها البطل الشجيع ويمثلها معه الممثلون، ويقنعوا أي منتج بمشروعهم ليصرف على فيلمهم الوهمي وعليهم شهوراً أو سنوات، وبعدها يحلها الحلال!؟.
فالحل هو مجرد أن يعيشوا كلهم في الفيلم!؟.
ودوماً يكون الضحية الأولى هم المنتجون وقد يكون البعض منهم مشاركاً في الفيلم ليسوِّق نفسه أو ليصرف في الباطل ما جمعه بالباطل!؟.
ويكون الضحية الثانية هم المتفرجون، وقد يكون بعضهم باحثاً عن مجرد لعبة مسلية يعلم مسبقاً أنها أكذوبة.
لقد فعلوها معنا؟!:
هكذا تعاملت معنا حكوماتنا التقدمية السابقة؛ وذلك طوال عقود من القهر والظلم والفساد والإفلاس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والتعليمي!؟.
لقد عاشوا في فيلماً روائياً طويلاً وكئيباً ومملاً ومتعدد الأجزاء؛ يطبقون معنا (لعبة العيش في الفيلم)!؟.
وكان كل جزء يأتي بأبواقه التي تسوِّق له، ورجاله الذين ينفذونه وبطله وممثليه ومخرجه ومؤلفه؛ فيعيشون فيه على حساب المنتج وهو المصري الطيب البسيط الذي يصدقهم؛ وكان ينتهي كل جزء بكارثة لا نفيق منها إلا على التمهيد للجزء التالي!؟.
ما أشبه الليلة بالبارحة!:
لذا فقد أذهلنا جميعاً ما يحدث الآن في صيف 2012م هذا الكم العجيب من التكاثر الأرانبي في التحالفات السياسية الدائرة على ساحتنا السياسية.
فإذا كنا لا نستغرب أن نرى كل يوم مزيداً من الهرولة نحن تكوين التحالفات بين الأحزاب والمجموعات الثورية بل ونرى بعض الرموز السياسية والفكرية قد دخلت حلبة السباق أيضاً بحثاً عن دور على مسرحنا السياسي.
فإننا نستغرب بل ونضحك أن يظنوا أننا نغفل أو نتغابى عن حنينهم لتطبيق لعبة العيش في الفيلم؛ التي سئمناها!؟.
والنتيجة أننا بدلاً من نرى مزيداً من التوحد فإننا نرى مزيداً من التفتت والتباعد والتخوين والاتهام بالعمالة، والتحالفات المبتسرة، والتمويلات الداخلية المشبوهة، والأجنبية المريبة!.
ويؤجج هذه التنازعات والصراعات مجموعة إبليسية من دكاكين (التوك شو) الفضائية؛ التي تجيد فنون استقطاب بعض الثوار والقوى والرموز دون البعض بهدف بث روح الغيرة وإثارة الشكوك والريبة في النفوس، والتنافس في إشعال الأزمات والاتهامات التي تمس الأخلاق والذمم بل والشرف والأعراض!؟.
وكله يمارس لعبة العيش في المولد!؟.
جولة في مولد ثورتنا:
وعندما نقترب من هذا المولد السياسي، ونتأمل سلوكيات الداعين لهذه التحالفات أو المشاركين فيها نجد هذه الملامح والسمات:
1-فريق أنا لك بالمرصاد:
وهو الفريق السياسي أو الفكري الذي كل بضاعته مجرد المعارضة والمشاغبة؛ فيفكر بطريقة أنا أعارض إذن أنا موجود!؟.
فهو يولد ويعيش ثم يموت معارضاً مناكفاً تحت ستار البطولة والوطنية وإذا دخل في التنافس الجاد لا يحصد إلا أصوات أسرته وعائلته ومن يحركونه.
2-فريق أنا هنا:
وهو الذي الفريق الذي ابتلي بداء حب فلاشات الكاميرات وحمى التصريحات ولوثة الهتافات وجنون (البوسترات).
ومحور حركته فقط لإثبات أنه موجود وحي يرزق.
3-فريق عبدة مشتاق:
حيث نجد أن دافعهم النفسي هو مرض العشق العارم للسلطة والكرسي وحب الزعامة. خاصة أولئك الذين ترشحوا لكرسي الرئاسة وفشلوا.
4-فريق عداوته والله ما بقيت:
وهو الفريق الذي يملك نفسية زعيم يهود المدينة (حُيَيّْ بِنْ أَخْطَبْ) الذي كان يعلم بصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويعلم أنه على الحق، ولكن تسيره نفسية مريضة وتحمل ضغينة داخلية لكل ما هو إسلامي. فيردد مقولة حُيّيّْ: (عداوته والله ما بقيت)!؟.
5-فريق شي في صدري:
وهو فريق أصحاب الثارات وحب الانتقام من خصومهم ولو تستروا برداء البطولة والأيدلوجيات المختلفة والمصالح القومية والأفكار الوطنية.
وقد شبهناهم بقتلة عثمان رضي الله عنه الذي أعلن زعيمهم أن التسع طعنات التي طعنها في صدر أمير المؤمنين؛ كان منها ثلاثة لله وستة لما في الصدر!؟.
6-فريق المريدين:
وهم الذي يعيشون على موائد كبار المفكرين ونجوم الساسة لمجرد العيش في الفيلم ولو وجدوا فيلماً آخر لغيروا جلدهم وغيروا وجهتهم؛ لأنهم لا يملكون إلا إمكانيات ونفسيات المريدين الذي يتمحوروا حول (خليفة المولد)، لمجرد وليمة من (الفتة) أو من يدفع أكثر وجلهم من الكتبة والإعلاميين فهم رجال كل العصور.
7-فريق السبوبة:
وهم فريق (بائعي الحمص) أي أصحاب المصالح والذين لا يجمعهم إلا المنفعة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو فكرية.
وهو لا يحمل أي إيدولوجية ثابتة بل هدفهم الدولار وعيونهم على البورصة.
(إحنا دافنينه سوا):
أما الظاهرة الثابتة في سلوكيات زعماء وشيوخ هذه الموالد التحالفية؛ فهو كثرة اختلافاتهم وانشقاقاتهم وتشرذمهم وتفرقهم بعد اجتماعاتهم وتحالفاتهم، مع لوثة من كراهية موروثة لكل ما هو إسلامي.
وهي تذكرنا بمجموعة من الصعاليك وقد قاموا بفكرة خبيثة للضحك على العامة وابتزازهم والعيش في المولد فوجدوا جثة (حمار) فدفنوها وأشاعوا بين العامة أنه قبر رجل صالح وسينظمون له مولداً سنوياً، فاسترزقوا سنوات وعاشوا في المولد؛ حتى جاء اليوم الذي اختلفوا فيه كالعادة فأقسم كبيرهم برحمة صاحب القبر؛ فردوا جميعاً عليه باستهزاء: (إحنا دافنينه سوا)!؟.
__________
خبير تربوي وعلاقات أسرية
[email protected]