د/ حمدي شعيب
(ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها. فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه: باقوم. ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم). [الرحيق المختوم: المباركفوري]
هذه الحادثة المعبرة نتذكرها الآن ونحن نرى القوى السياسية اللاعبة على المسرح السياسي المصري الآن، وهي تتصارع وتختلف بل وتتخاون حول قضايا متشابكة باتت ملحة مثل:
1-من هو الرئيس التوافقي؟
2-من يحدد هذا الرئيس التوافقي؟.
3-من الأحق بتشكيل لجنة الدستور؟.
4-ممن تتشكل لجنة الدستور؟.
5-ممن ستتشكل الحكومة القادمة؟.
وذلك بعد أن ازدادت وتيرة الهجوم على الإعلان الدستوري؛ خاصة اللغم الذي يتضمنه في المادة (28) الخاصة بصلاحيات لجنة الانتخابات الرئاسية؛ حتى أن التشكيك أصاب من أيدوه بـ(نعم) وغالبيتهم من الإسلاميين؛ حتى من فرط الهجوم الإعلامي الكاسح من أصحاب (لا) وغالبيتهم من الليبراليين، استشعر أصحاب (نعم) شيء من الندم والتراجع إلى مواقع الدفاع.
حيرة قريش أصابتنا!:
وعندما نتأمل حالة التشاكس التي تمر بها القوى السياسية خاصة الإسلامية وهي تبدو حائرة ومترددة؛ حتى غدت كل منها تخشى أن تتقدم وتبادر فتحاول حل أي من الإشكاليات والتحديات التي ذكرناها؛ فتجد كل السهام قد حاصرتها وحملات التخوين والتشكيك قد لوثتها والاتهامات قد لاحقتها والتخوفات قد التفت حول عنقها لتخنقها.
وكأن القوم تفرغوا لتساقط زلات الآخرين ولنصب الشراك في طرق بعضهم البعض!؟.
ولكن هل كانت قريش أذكى في الخروج من ورطتها؛ حيث:
1-استمعوا لصوت أحدهم وتجمعوا على رأي رجل من بني مخزوم، رغم اختلاف البطون القرشية.
2-رضوا برأي القادم، ولم يمنعهم أن يكون الحبيب صلى الله عليه وسلم من بني هاشم.
3-كان الحل الرائع من الحبيب صلى الله عليه وسلم هو أن يشارك الجميع في حل المعضلة بالمشاركة كلهم في حمل الحجر، ولم يتنصل فريق ولم ينسحب ولم يشكك في الحل الناضج.
4-انتهت المشكلة ولم نسمع عن تراجع البعض أو رفضهم لما أنجزوه جميعاً وبالمشاركة.
فهل ستصيبنا رجاحة وتعاون قريش فنخرج من حيرتنا؛ أم سيكون نصيبنا فقط هو إصابتنا بحيرتهم وورطتهم وتشاكسهم وتنازعهم؟!.
لعنة العمدة:
قرأت في إحدى الأدبيات القديمة؛ أن إحدى القرى التي كانت تتنازع القيادة والزعامة فيها عدة تجمعات عائلية، متشاكسة ومتناحرة ولم يجتمعوا في حياتهم إلا يوم قرروا التخلص من عمدتهم الظالم الجائر؛ وبالفعل حدثت ثورة القرية؛ فأعدموا العمدة الظالم، وفر أبناؤه وحاشيته، وكانت أيام سعيدة ولم ينغصها إلا أنهم أفاقوا بعد سكرة النصر؛ فلم يجدوا من يقوم مقام هذا العمدة وعاشوا حالة من الفراغ الزعامي، وعادوا إلى حالة التشاكس، ثم ذهبوا إلى حكيم القرية؛ طلباً للحل، وكان معروفاً أن من يذهب إليه فحكمه نهائي لا يمكن معارضته أو عدم تنفيذه وإلا فاللعنة ستحل بالبلاد والعباد!؟.
فقال: أقسموا أمامي أن تجربوا أحد هذين الحلين، وسأترك لكم الفرصة الأخيرة وإلا فاللعنة تنتظركم:
أولهما: أن تنعموا بثمار الحرية التي حصلتهم عليها؛ فتتشاوروا وتتعاونوا وتضعوا مصلحة القرية فوق مصالحكم الشخصية والحزبية والعائلية فتختاروا وبإرادتكم عمدة لكم من بينكم.
ثانيهما: إذا لم تصلوا إلى الحل الإرادي خلال أيام؛ فالحل اللاإرادي سيكون في هذه الغرفة وهذا مفتاحها معي!.
وبعد أيام وكالعادة اختلفت قوى القرية فركلت حريتها، وسارعوا إلى الحكيم وأقسموا أنهم سيرضون بحل الغرفة والذي لا ولن يكلفهم مؤنة البحث والاختيار.
وفي الحال فتح الباب وإذا بهم أمام العمدة الجديد وللمفاجاة وجدوا أنه ابن العمدة الذي ثاروا عليه!؟.